فصل: المقصد الثاني من مقاصد السورة في دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في هذا الدين الحق في ثلاث وعشرين ومائة آية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.المقصد الثاني من مقاصد السورة في دعوة أهل الكتاب دعوة خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في هذا الدين الحق في ثلاث وعشرين ومائة آية:

بحسبك أن تعلم أن هذه السورة هي غرة السور المدنية وأن المدينة كان يسكنها أشد الناس عداوة للذين آمنوا وأكثرهم جدالا في دينهم بما أوتوه من العلم قبلهم بحسبك أن تعلم هذا وذاك لتعرف سر تلك العناية الموفورة بهذا الجانب من الدعوة نعني دعوة بني إسرائيل خاصة بعد دعوة الناس عامة ولتعلم حكمة ذلك التبسط في الحديث معهم تارة والحديث عنهم تارة أخرى بألوان تختلف هجوما ودفاعا واستمالة واستطالة إلى ما بعد نصف السورة وسترى حين تنتقل في هذه الأحاديث مرحلة مرحلة ما يملك قلبك من جمال نظامها ودقة تقسيمها بدأ الكلام معهم بآية فذة هي على قلة كلماتها جامعة لأغراض الحديث كله ففيها يناديهم بأحب أسمائهم وأشرف أنسابهم ويذكرهم بسابق نعمة الله عليهم إجمالا ويبني على ذلك دعوتهم إلى الوفاء بعهدهم ويرغبهم ويرهبهم ثم رجع إلى هذه الأغراض يفصلها على تدرج وبقدر معلوم فشرح العهد الذي طلب منهم الوفاء به في ست آيات وبين مقدار النعمة التي امتن بها عليهم في آية ومقدار المخافة التي خوفهم منها في آية أخرى ثم قسم الحديث إلى أربعة أقسام القسم الأول يذكر فيه سالفة اليهود منذ بعث فيهم موسى عليه السلام القسم الثاني يذكر فيه أحوال المعاصرين منهم للبعثة المحمدية القسم الثالث يذكر فيه أولية المسلمين منذ إبراهيم عليه السلام القسم الرابع يذكر فيه حاضر المسلمين في وقت البعثة ذكر سالفة اليهود استهل الخطاب في هذا القسم بثماني آيات يعرف فيها بني إسرائيل بتفاصيل المنن التي امتن بها عليهم مرة بعد مرة وهي تلك النعم التاريخية القديمة التي اتصل أثرها وسرى نفعها من الأصول إلأى الفروع فجعل يذكرهم بأيام الله فيهم يوم أنجاهم من آل فرعون ويوم أنجاهم من اليم وأغرق أعداءهم فيه ويوم واعدهم بإنزال الكتاب عليهم ويوم حقق وعده بإنزاله ويوم قبل توبتهم عن الردة والشرك بالله ويوم قبل توبتهم عن التمرد على نبيهم واقتراح العظائم عليه وإنها لنعم جليلة سابقة للذنب ولاحقة تلين ذكراها القلوب وتحرك الهمم لشكر المنعم وامتثال أمره وقبل أن ينتقل من تذكيرهم بتلك النعم الجليلة المطمعة للشاكرين في المزيد إلى تذكيرهم بجرائمهم وما حاق بهم من ضروب النكال الموجبة للامتثال والاعتبار جعل بين الحديثين برزخا مزج فيه ذكر بعض النعم بذكر ما قابلوها به بعد أن أعد النفس للسير على هذا البرزخ بالتفاتة يسيرة فيها رمز الإعراض وعدم الرضا فبين أنه تعالى متعهم فوق هذا كله متاعا حسنا إذ ظلل عليهم الغمام ورزقهم من الطعام والشراب رزقا هينئا من حيث لا يحتسبون ومن حيث لا كد ولا نصب فظلموا أنفسهم وبطروا تلك النعمة وحرفوا كلمة الشكر بتبديلها هزوا ولعبا واقترحوا بدل ذلك الرزق الناعم عيشة الكدح والعناء فألزمهم الله ما التزموا وضرب عليه الذلة والمسكنة وهنا محض الحديث لذكر المخالفات والعقوبات فذكر أنهم باءوا بغضب من الله لأنهم كفروا بآيات الله وقتلوا النبيين غير أنه استثنى المؤمنين منهم من هذا الغضب وتمردوا على أوامر التوراة جملة حتى أرغموا عليها ثم تولوا عنها بعد ذلك حتى صاروا جديرين بأن ينزل بهم ما نزل بأهل السبت لولا فضل الله عليهم وأنهم تباطئوا في تنفيذ أمر نبيهم وبلغ بهم الجهل بمقام نبوته أن ظنوا في بعض تبليغه عن ربه أنه هازل فيه غير جاد حلقة الاتصال بين القسمين الأول والثاني وأراد القرآن أن يصل حاضرهم بماضيهم فانظر كيف وضع بينهما حلقة الاتصال في هذه الآية التي ختم بها القسم الأول ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة فقوله من بعد ذلك كلمة حددت مبدأ تاريخ القسوة ولم تحدد نهايته كأنها بذلك وضعت عليه طابع الاستمرار وتركته يتخطى العصور والأجيال في خيال السامع حتى يظن أن الحديث قد أشرف به على العصر الحاضر ثم لم يلبث هذا الظن أن ازداد قوة بصيغة الجملة الاسمية في قوله فهي كالحجارة دون أن يقول فكانت كالحجارة ثم انظر كيف كان انتهاؤه إلى وصف قلوبهم بهذا الوصف توطئة لتغيير الأسلوب فيهم فإن من يبلغ قلبه هذا الحد من القسوة التي لا لين فيها يصبح استمرار الخطاب معه نابيا عن الحكمة ويصير جديرا بصرف الخطاب عنه إلى غيره ممن له قلب سليم وهكذا سينتقل الكلام من الحديث معهم في شأن سلفهم إلى الحديث معنا في شأنهم أنفسهم ذكر اليهود المعاصرين للبعثة افتتح الكلام في هذا القسم بجملة طريفة ليست على سنن ما قبلها وما بعدها من السرد الإخباري جملة استفهامية يكتنفها حرفان عجيبان أحدهما يعيد إلى الذاكرة كل ما مضى من وقائع القسم الأول والآخر يفتح الباب لكل ما يأتي من حوادث هذا القسم وتقع هي بين التاريخين القديم والحديث موقع العبرة المستنبطة والنتيجة المقررة بين أسباب مضت وأسباب تأتي أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم فهذه الفاه تقول لنا أبعد كل ما قصصناه يطمع طامع في إيمان هؤلاء القوم وهم الوارثون لذلك التاريخ الملوث وهذه الواو تقول هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ويعود السرد الإخباري إلى مجراه التفصيلي فيقص علينا من مساوئ أوصاف الحاضرين منهم ومنكرات أفاعيلهم وأقاويلهم زهاء عشرين سببا لا تبقى مطمعا لطامع في إيمانهم سواء منها ما كان مختصا بهم وما كان يشاركهم فيه غيرهم من أسلافهم أو من النصارى أو الوثنيين ثم لا يدع زعما من مزاعمهم إلا قفى عليه بما يليق به من الرد والتفنيد وقد بدأ هذا الوصف بتقسيمهم إلى فريقين علماء يحرفون كلام الله ويتواصون بكتمان ما عندهم من العلم لئلا يكون حجة عليهم وجهلاء أميين هم أسارى الأماني والأوهام وضحايا التضليل والتلبيس الذي يأتيه علماؤهم فمن ذا الذي يطمع في صلاح أمة جاهلها مضلل مخدوع يأخذ باسم الدين ما ليس بدين وعالمها مضلل خادع يكتب الكتاب بيده ويقول هذا من عند الله وثنى ببيان منشأ اجترائهم على كل موبقة ألا وهو غرورهم بزعمهم أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة ولقد أمر النبي أن يوسع هذا الزعم دحضا وإبطالا وأن يتدرج معهم في هذه المجادلة على درجات المنطق السليم والبحث المستقيم فيبدأ بمطالبتهم البرهان على ما زعموا ثم ينقضه ببيان مخالفته لقانون العدل الإلهي الذي لا يعرف شيئا من الظلم ولا المحاباة لأحد بل الخلق أمامه سواء كل امرئ رهين بعمله ومن يعمل سوءا أو حسنا يجز به ثم يعارضه بقلب القضية عليهم مبينا لهم أنهم من أولئك الذين كسبوا السيئات وأحاطت بهم خطيئاتهم ألم يؤخذ عليكم الميثاق بتقوى الله والإحسان إلى الناس فتوليتم ألم يؤخذ عليكم الميثاق بترك الإثم والعدوان فاعتديتم ثم آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض وحكمتم أهوءكم في الشرائع فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ثم أتبع ذلك سائر هناتهم فذكر تصامهم عن سماع الحق بدعوى أن قلوبهم مقفلة كفرهم بالكتاب الجديد لأنه أنزل على غيرهم بعد أن كانت أعناقهم مشرئبة إليه ينتظرون ظهوره على يد نبي ينصرهم على المشركين دعواهم القيام بواجبهم وهو الإيمان بما أنزل عليهم وكفى مع أنهم كافرون حتى بما أنزل عليهم وتلك شنشنتهم منذ عبدوا العجل وأشربوا حبه في قلوبهم زعمهم أن لهم الدار الآخرة خالصة ثم مناقضتهم أنفسهم في ذلك بكراهتهم الموت وشدة حرصهم على الحياة عداوتهم لجبريل لأنه أنزل الكتاب على غيرهم مع أنه إنما أنزل بعلم الله تكرر نبذهم للعهود اشتغالهم بكتب السحر وترك كتب الله وراء ظهورهم ليهم ألسنتهم في خطاب الرسول بكلمة تنطوي على الاستهزاء به والطعن في دينه وإن كان ظاهرها التعظيم له أو يراد منها إحراجه بكثرة الأسئلة والمقترحات كما سئل موسى من قبل وقد سيق هذا في قالب تحذير المؤمنين من أن يقولوا تلك الكلمة حقدهم وأثرتهم هم وسائر المخالفين من أهل الكتاب والمشركين وكراهيتهم أن ينزل الوحي على غيرهم مع أن لله أن يختص بنبوته من يشاء وله أن ينسخ شريعة ويأتي بشريعة أخرى مثلها أو خير منها رغبة كثير منهم في أن يردوا المؤمنين كفارا زعم كل من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة غيرهم أماني يتمنونها بغير برهان طعن كلتا الطائفتين في أختها بقول اليهود ليست النصارى على شيء وقول النصارى ليست اليهود على شيء وطعن المشركين في كلتيهما اشتراك الطوائف الثلاث في السعي لإخلاء المساجد من ذكر الله اشتراكهم في الجهل بالله ونسبتهم الولد إليه اشتراكهم في التوقف عن الإيمان بالرسل حتى يكلمهم الله بغير واسطة أو ينزل عليهم آية ملجئة ثم ختم هذه الهنات بأدعاها إلى اليأس من إيمانهم وهو أنهم يطمعون في تحويل الرسول نفسه إلى اتباع أهوائهم فكيف يطمع هو في استتباعهم إلى هداه كلا ولكن حسبه أن الراسخين في العلم منهم وهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته يؤمنون بهذا الهدى الذي جاء به والكافرون هم الخاسرون ذكر قدامى المسلمين من لدن إبراهيم شأن المصلح الحكيم في دعوته شأن الزارع يبدأ بالأرض فيقتلع أشواكها وينقيها من حشائها الضارة قبل أن يلقي فيها البذور الصالحة أو يغرس فيها الأشجار النافعة وكذلك الداعي الحكيم يبدأ بالنفوس فيلويها عن الباطل والفساد ثم يوجهها إلى طريق الحق والهدى فهذان دوران يقوم في أحدهما بالتطهير والتخلية وفي الثاني بالتكميل والتحلية وأنت قد رأيت الكلام في دعوة بني إسرائيل قد مضى إلى هذا الحد في بيان عوج الطريق الذي يسلكونه ورأيته قد أوسع البيان في ذلك حتى أتى على نهاية الدور الأول أليس من الحق إذا أن يبدأ الدور الثاني فيبين الطريق السوي الذي يجب أن يسلكوه ثم رأيت كيف اختتم البيان السابق هدى الله والعلم الذي علمه لنبيه وذكر الفريق الذي يرجى إيمانهم به من أهل الكتاب وهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته أليس هذا الاختتام نفسه مطلعا تشرف النفس منه على هذا الافتتاح ثم رأيت الحديث في الدور الأول منقسما إلى قسمين قسم يتحدث فيه عن ماضي اليهود وقسم يتحدث فيه عن حاضرهم ألا يكون من حسن التقابل أن يقسم الحديث الثاني إلى القسمين عن ماضي المسلمين وعن حاضرهم ذلك هو ما ترى فيما يلي بل سترى ما هو أتم مقابلة ومشاكلة فسيجري الكلام في القسم الأول هنا على سنن الخطاب مع بني إسرائيل والكلام في القسم الثاني على سنن التحدث عنهم كما جرى هنالك في القسمين سواء وأكبر من هذا كله أنك ترى الآيتين الكريمتين اللتين صدر بهما أول الحديث هناك قد صدر بهما أول الحديث هنا ليدعوهم إلى اعتناق الحق بمثل ما دعاهم به إلى اجتناب الباطل وليتقرر في نفس السامع من أول الأمر أن الحديث سيعود كما بدأ ولكن في طريق يقابل ذلك الطريق وبمعنى جديد هو عدل لذلك المعنى القديم يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات وهكذا أنشأ يدعو بني إسرائيل إلى طريق السلف الصالح لا بأسلوب الأمر والتحريض الذي جرب من قبل فلم ينجع فيهم بل بأسلوب قصصي جذاب يعرض فيه ذلك التاريخ المجيد لإبراهيم عليه السلام وأبنائه وأحفاده في العصور الذهبية التي لا يختلف أحد من أهل الكتاب ولا المشركين في تعظيمها ومحبتها ومحبة الانتساب إليها مكررا على لسانهم جميعا تلك الكلمة العذبة التي تركها إبراهيم باقية في عقبه فتوارثها أبناؤه وأحفاده يوصي كل منهم بها بنيه كلمة الإسلام لله رب العالمين وتراه في أثناء عرضه لتاريخ إبراهيم عليه السلام وإمامته للناس لا ينسى أن يحكي كلماته التي دعا به ربه أن يجعل من ذريته إماما للناس كما جعله هو ثم تراه حين يروي قيام إبراهيم وابنه إسماعيل ببناء البيت المعظم الذي جعله الله حراما آمنا ومثابة للناس وقبلة لصلاتهم لا ينسى أن يحكي تضرعهما إلى الله أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة وأن يبعث فيهم رسولا منهم يعلمهم ويزكيهم ممهدا بهذا وذاك لتقرير تلك الصلة التاريخية المتينة التي تربط هذا النبي وأمته بذينك النبيين الجليلين لا صلة البنوة النسبية فحسب بل صلة المبدأ ورابطة الوحدة الدينية أيضا فهم من ذريتهما ووجودهم تحقيق لقبول دعوتهما وملتهم ملتهما وقبلتهم قبلتهما ومثابتهم في حجهم مثابتهما ومقررا في الوقت نفسه انقطاع مثل هذه النسبة المشرفة عن اليهود الذين ينتسبون بالبنوة لإبراهيم ويعقوب وهم عن ملتهما منحرفون ولوصيتهما مخالفون فماذا يغني النسب عن الأدب ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ذكر حاضر المسلمين وقت البعثة واتصل ذكر الخلف بذكر السلف وخرج الكلام من التلويح إلى التصريح فأقبل يقرر في جلاء صلة هذه الأمة المسلمة بتلك الأمة الصالحة في أصول ملتها وفي أهم فروعها ويقص علين ما يحاوله سفهاء الأحلام من بني إسرائيل وغيرهم لحرمان المسلمين من تلك الصلة وذلك بدعوتهم المسلمين إلى اتباع ملتهم تارة وبالطن في قبلتهم تارة أخرى ويكر على كلتا المحاولتين الهدم والاستئصال وقد رأيت الحديث الآنف كيف امتزج فيه ذكر ملة إبراهيم بذكر قبلته فانظر كيف كان ذلك تأسيسا قويا لما يبني عليه هنا من ذكر ملة المسلمين وذكر قبلتهم قال في شأن الملة إن أهل الكتاب يدعونكم بعد هذا البيان أن تكونوا هودا أو نصارى فقولوا لهم بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا وعرفوهم جلية الأمر في هذه الملة الحنيفية وأنها إيمان بالله وإيمان بكل ما أنزل على النبيين لا نفرق بين أحد منهم هذه عقيدتنا بيضاء ناصعة فأي ركنيها تنقمون منا وفي أيها تخاصموننا أفي الله وهو ربنا وربكم أم في إبراهيم وبنيه وهم كانوا هودا أو نصارى تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون وكان هذا الترديد وحده كافيا لإفحامهم وإغلاق الباب في وجوههم من هذه الناحية إذ تبين أن أصول هذه الملة أمنع من أن نقبل الجدال في شيء منها فانتقل عنها وشيكا إلى إبطال محاولتهم الأخرى في مسألة الكعبة المعظمة التي عليها يدور العمل بشعيرتين هما أعظم شعائر الإسلام وأظهرها الصلاة والحج والتي قد تقرر ما لها من الأصل الأصيل في الدين باتخاذ إبراهيم وإسماعيل إياها مثابة ومصلى ولكن هذا لم يكن كافيا لإسكات المجادلين الذين اتخذوا من تحول المسلمين إليها وتركهم القلة التي كانوا عليه مطعنا على النبوة فتنوا به بعض ضعفاء المؤمنين فمست الحاجة إلى مزيد بسط في شأنها تتقرر به الحجة وتدحض به الشبهة ولذلك تراه يوجه إليها أكبر الشطرين من عنايته فيأمر النبي بادئ ذي بدء أن يجيب المتسائلين عن حكمة هذا التحويل جواب عزة وإباء يرد الأمر فيه إلى من لا يسأل عما يفعل قائلا لهم إن الجهات كلها سواء يوجهنا الله منها إلى ما يشاء وهو الذي يهدي إلى الصراط المستقيم ثم أخذ يأمر النبي تارة والمؤمنين تارة ويأمرهما معا تارة أخرى في أسلوب مؤكد مفصل أن يثبتوا على هذه القبلة حيث هم وفي كل مكان يقيمون فيه حضرا وفي كل مكان يخرجون منه سفرا وطفق ينثر في تضاعيف هذه الأوامر المؤكدة ما شاء من تعريف بأسرار التشريع القديم والجديد فيقول إن تشريع تلك القبلة الوقتية ما كان إلا اختبارا لإيمان المهاجرين ليتبين من تتبع الرسول ممن يتقلب على عقبيه وأما تشريع هذه القبلة الباقية فإنه ينطوي على الحكم البالغة والمقاصد الجليلة فهي القبلة الوسطى التي تليق بكم أيتها الأمة الوسطى وهي القبلة التي ترضاها يأيها النبي والتي طالما قلبت وجهك في السماء مستشرفا إلى الوحي بها وهي القبلة التي يعلم أهل الكتاب أنها الحق من ربهم وإن كانوا يكتمون ذلك حسدا وعنادا وهي القبلة التي يشهد الله بأنها الحق من عنده وأخيرا هي القبلة التي لا يبقى لأحد من المنصفين حجة عليكم أما الظالمون فلن ينقطع جدالهم في شأنها ما بقيت عداوتهم لكم ولكن لا تخشوهم بل وطنوا أنفسكم على التضحية في سبيل الله واصبروا ولا تحزنوا على من سيقتل منكم في هذه السبيل فإن الموت فيها هو الحياة الباقية.
ثم أومأ إلى أن الجدال في هذه القبلة ليس صدا عن الشعائر التي في داخل المسجد الحرام فحسب بل هو كذلك صد عما حوله من الشعائر إن الصفا والمروة من شعائر الله ثم أكد أمر هاتين الشعيرتين على نحو ما أكد أمر القبلة بالتعريض بأهل الكتاب الذين يعلمون أصلهما في تاريخ إبراهيم ولكنهم يكتمون ما أنزله الله من البينات وهم يعلمون أرأيت هذه المراحل الأربع التي سلكها القرآن في دعوة بني إسرائيل كيف رتبها مرحلة مرحلة وكيف سار في كل مرحلة منها خطوة خطوة فارجع البصر كرة أخرى إلى هذه المرحلة الأخيرة منها لتنظر كيف استخدم موقعها هذا لتحقيق غرضين مختلفين وجعلها حلقة اتصال بين مقصدين متنائيين فهي في جملتها مناجات من الله للنبي والمؤمنين في خاصة شأنهم وفيما يعنيهم من أمر دينهم ولكنه جعل هذه النجوى طرفين لون كل طرف منها بلون المقصد الذي يتصل به فالتقى المقصدان فيها على أمر قد قدر ألم تر كيف بدأها بأن قص على المؤمنين مقالة أعدائهم في بعض حقائق الإسلام وعمد إلى هذه الحقائق التي تماروا فيها فجعل يمسح غبار الشبهة عن وجهها حتى جلاها بيضاء للناظرين فكانت هذه البداية كما ترى نهاية لتلك المعارك الطويلة التي حورب فيها الباطل في كل ميدان ثم رأيت كيف ساق الحديث فجعل يثبت أقدام المؤمنين على تلك الحقائق النظرية والعملية ويحرضهم على الاستمساك بها في غير ما آية أفلا تكون هذه النهاية بداية لمقصد جديد بعدها يراد به هداية المؤمنين إلى تعاليم الإسلام مفصلة بلى إن ذلك هو ما توحي به سياقة هذه النجوى المتواصلة التي مدت في خطاب المؤمنين مدا وحولت مجرى الحديث معهم رويدا رويدا حتى صار كل من ألقي سمعه إليها مليا يسمع في طيها نداء خفيا أن قد فرغنا اليوم من الأعداء جهادا وأقبلنا عن الأولياء تعليما وإرشادا وأن قد طوينا كتاب الفجار وجئنا نفتتح كتاب الأبرار وأن هذه الصفحة الأخيرة من دعوة بني إسرائيل لم تكن إلا طليعة من كتائب الحق تنبئ أن سيتلوها جيشه الجرار أو شعاعة من فجر الهدى سيتحول الزمان بها من سواد الليل إلى بياض النهار ألا ترى الميدان قد أصبح خاليا من تلك الأشباح الإسرائيلية التي كانت تتراءى لك في ظلام الباطل تهاجمها وتهاجمك هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا أو لا ترى هذه الأشعة الأولى من شمس الشريعة الإسلامية قد انبعثت يسوق بعضها بعضا أصول جامعة نظرية تتبعها طائفة من فروعها الكبرى العملية ألم يأن لسائر الفروع أن تجيء من خلفها حتى تبلغ الشمس ضحاها هكذا تفتحت الآذان لسماع شرائع الإسلام مفصلة فلو أنها أقبلت علينا الآن عدا وسردا ما حسبنا الحديث عنها حديثا مقتضبا لكن القرآن قد وضع على أدق الموازين البيانية وأرفقها بحاجات النفوس لم يشأ أن يهجم على المقصود مكتفيا بهذا التمهيد بل أراد أن يقدم بين يديه شقة تستجم النفس فيها من ذلك السفر البعيد وتأخذ أهبتها لرحلة أخرى إلى ذلك المقصد الجديد فانظر فيما يلي المدخل إلى المقصد الثالث في خمس عشرة آية نيف وعشر من الآيات الكريمة هي بمثابة الدهليز بين الباب والدار يقطعها السائر في خطوات ثلاث الخطوة الأولى تقرير وحدة الخالق المعبود الخطوة الثانية تقرير وحدة الأمر المطاع الخطوة الثالثة.
فهرس إجمالي للأوامر والطاعات المطلوبة الخطوة الأولى تقرير وحدة الخالق المعبود لقد جاءت هذه الخطوة في أشد أوقات الحاجة إليها بين سابقها ولاحقها فإن ما مضى من تعظيم أمر الكعبة والمقام والصفا والمروة كان من شأنه أن يلقي في روع الحديث العهد بالإسلام معنى من معاني الوثنية الأولى في تعظيم الأحجار والمواد ولاسيما وهذه الأماكن المقدسة كانت يومئذ مباءة للأصنام والأنصاب من حولها ومن فوقها فوجب ألا يترك هذا التعظيم دون تحديد وتقييد وألا نترك هذا الخلجات النفسية دون دفع وإبعاد حتى لا يبقى شك في أن قيام المصلين عند مقام إبراهيم وتوجيه وجوههم نحو الكعبة وتمسح الطائفتين بأركانها وطواف الحجاج والمعتمرين بين الصفا والمروة كل أولئك لا يقصد به الإسلام توجيه القلوب إلى هذه الأحجار والآثار تزلفا بعبادتها أو رجاء لرحمتها أو طلبا لشفاعتها وإنما يقصد تعظيم الإله الحق وامتثال أمره بعبادته في مواطن رحمته ومظان بركته التي تنزلت فيها على عباده الصالحين من قبل ثم تجديد ذكرى أولئك الصالحين في النفوس وتمكين محبتهم في القلوب باقتفاء آثارهم والتأسي بحركاتهم وسكانتهم حتى يتصل حاضر الأمة بماضيها وحتى تنتظم منها أمة واحدة تدور حول محور واحد وتتجه إلى مقصد واحد هو أعلى المقاصد وأسماها وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو أتدرون من هو إنه ليس الكعبة وليس الصفا والمروة ليس إبراهيم ولا مقام إبراهيم ولكنه الرحمن الرحيم الذي وسع كل شيء رحمة ونعمة إن في خلق السموات والأرض لآيات لقوم يعقلون والذي بيده القوة كلها والبأس كله لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب هذا من جانب المقصد الذي وقع الفراغ منه.
وأما من جانب المقصد الذي أقبلنا عليه فإن هذه الخطوة كانت أساسا وتقدمة لابد منها قبل الشروع في تفصيل الأحكام العملية لتكون توجيها للأنظار إلى الناحية التي ينبغي أن يتلقى منها الخطاب في شأن تلك الأحكام ذلك أن المرء إذا عرف له سيدا واحدا وأسلم وجهه إليه وجب ألا يصدر إلا عن أمره ولا يأخذ التشريع إلا من يده ومن كانت له أرباب متفرقون وتنازعت فيه شركاء متشاكسون تقاضاه كل واحد منهم نصيبه من طاعته وكثرت عليه مصادر الأمر المطاع فأمر للآباء والعشيرة وأمر للعرف والعوائد الموروثة والمستحدثة وأمر للسادة والكبراء وأمر للشياطين والأهواء ولذلك عززها بالخطوة الثانية الخطوة الثانية تقرير وحدة الأمر المطاع وهي ركن من عقيدة التوحيد في الإسلام فكما أن من أصل التوحيد ألا تتخذ في عبادتك إلها من دون الرحمن الذي بيده الخلق والرزق والضر والنفع كذلك من أصل التوحيد ألا تجعل لغيره حكما في سائر تصرفاتك بل تعتقد أن لا حكم إلا له وأن بيده وحدة الأمر والنهي والحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله ومن استحل حرامه أو حرم حلاله فقد كفر وكما أنه لا يليق أن يكون هو الخالق ويعبد غيره والرازق ويشكر غيره لا يليق أن يكون هو الحاكم ويطاع غيره يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ولقد سلك في تقرير هذه الوحدة التشريعية نحوا من مسلكه في تقرير وحدة الإلهية فبدأها بأن تعرف إلى الناس بنعمة الله الشاملة ورحمته الكاملة في سهولة الشريعة وملاءمتها للفطرة إذ أنه في سعة الاختيار لم يحرم عليهم من الطعام إلا أربعة أشياء كلها رجس خبيث وأحل لهم ما وراء ذلك أن ينتفعوا بسائر ما في الأرض من الحلال الطيب وفي ضيق الاضطرار جعل المحظورات كلها تنقلب مباحات مرفوعا عنها الحرج فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم وناهيك بهذا الأسلوب تليينا للقلوب وحملا لها على الخضوع لأمر هذا الرب الرءوف بعباده أفمن يحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث أحق أن يطاع أم من يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ثم ختمها بتعريفهم مبلغ غضبه وانتقامه ممن يكتم أمر نهية ويبدلهما بغير ما أمر ونهي ويأخذ على ذلك الرشا والسحت أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم والناظر في منهج هذا التقرير إذا تأمل في وجه اختيار حديث المطاعم والمكاسب من بين ضروب الحلال والحرام يرى من لطائف موقعه هنا ما يعرف به أنه هو العروة الوثقى التي شد بها وثاق البيان وسدت بها الفروج بين خطواته السابقة واللاحقة فهو من الوجهة العملية أحد تلك الفروع التي سينتقل إليها الحديث عما قريب فذكره هاهنا يعد إشعارا بقرب الشروع في المقصد الجديد ثم هو من الجهة الاعتقادية يتصل اتصالا تاريخيا وثيقا بعقيدة التوحيد التي هو بصددها ذلك أن أهل الجاهلية من وثنيين وكتابيين لما اتبعوا خطوات الشيطان فازلهم عن توحيد المعبود حتى اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله لم يطل عليهم الأمد حتى فتح لهم باب التشريك في التشريع بعد التشريك في العبادة فجعلوا يحرمون من الحرث والأنعام حلالها ويحلون حرامها بل جعلوا عند ذبح أنعامهم يهلون بها لغير الله يهتفون بأسماء آلهتهم ويستحلون طعمتها بذلك فجمعوا فيها بين مفاسد ثلاث المعصية والبدعة والشرك الأكبر وكأن باب التحريم والتحليل في المطاعم والمكاسب كان هو أول باب فتح في الجاهلية للتشريع بغير إذن الله ولذلك كان هو أول باب سده القرآن بعد باب الشرك الأكبر فترى النهي عنه والنص عليه وبيان الحق فيه تاليا لذكر العقائد حتى في السور المكية كسورة الأنعام والأعراف ويونس والنحل وغيرها ومما زاد موقعه هنا حسنا أن مجيئه في سياق ذكر التوحيد وقع عدلا لمجيء حكم القبلة في سياق ذكر ملة إبراهيم فكلاهما فرع عظيم يتصل بأصل عظيم ألا ترى كيف ختم الكلام في شأنه بمثل ما ختم به هناك من وعيد المعاندين الذين يكتمون ما أنزل الله أو لا ترى كيف أن الإسلام جعل مسألتي القبلة والذبائح كليهما من الشعائر التي يتميز بها المسلم عن غيره كما يتميز بالشهادة والصلاة من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله على أن بدعة التحريم بالرأي في هذا الباب لم تقتصر على الفئة الخارجة عن الملة بل إن بعض المسلمين في عصر النبوة كادت تصيبهم عدوى الأمم قبلهم إذ هموا أن يترهبوا ويحرموا على أنفسهم الطيبات من الطعام وغيره لا تحريما لما أحل الله منها بل زهادة فيها وحملا للنفس على الصبر عنها بضرب من النذر أو اليمين أو العزيمة المصممة فرد عليهم القرآن هذا الابتداع وأغلق بابه إغلاقا حتى لا يكون مدرجة لما وراءه ونبههم إلى أن من قضية توحيدهم لله أن ينزلوا على حكمه فيما أحل لهم قياما فيه بشريعة الشكر كما نزلوا على حكمه فيما حرم عليهم قياما فيه بشريعة الصبر يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون فانظر كيف كان خطاب الناس عامة بهذا الأصل ولو أحقه توطئة لخطاب المؤمنين خاصة به وبما سيتلوه من الأحكام كما أن خطاب الناس عامة بأركان الإسلام في صدر السورة كان توطئة لما تلاه من خطاب بني إسرائيل خاصة بدعوتهم إلى الدخول فيه قلبا وقالبا هل ترى أحسن من هذا النسق المتقابل المتعادل والآن وقد أخذت النفس أهبتها لتلقي سائر الأوامر والنواهي انظر كيف خطا إليها الخطوة الثالثة والأخيرة الخطوة الأخيرة إجمال الشرائع الدينية وترى فيها عجائب من صنعة النسق انظر إلى حسن التخلص في ربطه بين المقصد القديم والمقصد الجديد على وجه به يتصلان لفظا وبه ينفصلان حكما فهو في جمعها لفظا كأنه يضع إحدى قدميك عند آخر الماضي وثانيتهما عند أول المستقبل ولكنه في تفريقها حكما بأداتي النفي والاستدراك كأنما يحول قدميك جميعا إلى الأمام ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن يقول إن مسألة تعيين الأماكن والجهات في مظاهر العبادات تلك المسألة التي شغلت بال المخالفين والمؤالفين نقدا وردا ليست هي كل ما يطلب الاشتغال به من أمر البر بل هي شعبة واحدة من جملة الشعب التي تشتمل عليها خصلة واحدة من جملة خصاله وإنما البر كلمة جامعة لخصال الخير كلها نظرية وعملية في معاملة المخلوق وعبادة الخلق وتزكية الأخلاق فبتلك الخصال جميعها فلتشغل المؤمنون المصادقون.
ثم انظر إليه حين أقدم على تفصيل تلك الخصال كيف أنه لم يقبل عليها دفعة واحدة بل أخذ يتدرج إليها في رفق ولين فتقدم بكلمة فوق الإجمال ودون التفصيل هي بمثابة فهرس لقواعد الإيمان ولشرائع الإسلام ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وآتى المال على حبه وانظر إلى سرد قواعد الإيمان هنا كيف عدل بها عن ترتيبها المطبوع الذي راعاه في صدر السورة غير مرة فتراه هنا يجمع بين الطرفين الإيمان بالله واليوم الآخر وختم بالواسطة الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين ذلك لأن من هذه الوسائط تعرف الأحكام الشرعية وعن يدها تؤخذ فأخرها لتتصل بها تلك الأحكام حتى لا يحول بين الأصل وفرعه حائل ولذلك راعى ترتيب أركان هذه الواسطة فيما بينها فصدر بالملائكة وهم حملة الوحي وثنى بالكتاب وهو الوحي المحمول وثلث بالنبيين وهم مهبط الوحي ومن هناك اتصل ببيان تلك الشرائع التي وصلت إلينا عن طريق النبوة.